محمد متولي الشعراوي
4389
تفسير الشعراوى
وقول موسى آمنوا بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ، هو الذي يدل عليه قول الحق سبحانه : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ( من الآية 136 سورة البقرة ) ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله : وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ . و « لعل » رجاء وطلب . ونعلم أن كل طلب يتعلق بأحد أمرين : إما طلب لمحال لكنك تطلبه لتدل بذلك على أنك تحبه ، وهو لون من التمني مثل قول من قال : ليت الشباب يعود يوما ، إنه يعلم أن الشباب لا يعود لكنه يقول ذلك ليشعرك بأنه يحب الشباب . أو كقول إنسان : ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح ، وهذا طلب لمحال ، إلا أنه يريد أن يشعرك بأن هذا أمر يحبه ، وإمّا طلب ممكن التحقيق . وهو ما يسمى بالرجاء . وله مراحل : فأنت حين ترجو لإنسان كذا ، تقول : لعل فلانا يعطيك كذا ، والإدخال في باب الرجاء أن تقول : لعلى أعطيك ؛ لأن الرجاء منك أنت ، وأنت الذي تقوله ، ومع ذلك قد لا تستطيع تحقيقه ، والأقوى أن تقول : لعل اللّه يعطيك . ولكنها من كلامك أنت فقد يستجيب اللّه لك وقد لا يستجيب ، أما إذا قال اللّه : لعلكم ، فهذا أرجى الرجاءات ، ولا بد أن يتحقق . وحينما يتكلم الحق عن قوم موسى ، يتكلم عنهم بعرض قصصهم ، وفضائحهم ونقضهم للعهد بعد نعم اللّه الواسعة الكثيرة عليهم ، وأوضح لنا : إياكم أن تأخذوا هذا الحكم عاما ؛ لأن الحكم لو كان عاما ؛ لما وجد من أمة موسى من يؤمن بمحمد . ولذلك قلنا قديما إن هناك ما يسمى « صيانة الاحتمال » . ومثال على ذلك نجد من اليهود من آمنوا برسالة رسول اللّه مثل مخريق الذي قال فيه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « مخريق خير يهود » . وعبد اللّه بن سلام إن بعض اليهود كانوا مشغولين بقضية الإيمان ، ولذلك لا تأخذ المسألة كحكم عام ؛ لأن من قوم موسى من يصفهم الحق بالقول الكريم :